ابن كثير

42

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

[ سورة الفاتحة ( 1 ) : آية 2 ] الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 2 ) القراء السبعة على ضم الدال في قوله ( الحمد للّه ) هو مبتدأ وخبر . وروي عن سفيان بن عيينة ورؤبة بن العجاج أنهما قالا ( الحمد للّه ) بالنصب وهو على إضمار فعل وقرأ ابن أبي عبلة ( الحمد للّه ) بضم الدال واللام اتباعا للثاني الأول ، وله شواهد لكنه شاذ ، وعن الحسن وزيد بن علي ( الحمد للّه ) بكسر الدال اتباعا للأول الثاني . قال أبو جعفر بن جرير « 1 » : معنى الْحَمْدُ لِلَّهِ الشكر للّه خالصا دون سائر ما يعبد من دونه ، ودون كل ما برأ من خلقه ، بما أنعم على عباده من النعم التي لا يحصيها العدد ولا يحيط بعددها غيره أحد ، في تصحيح الآلات لطاعته ، وتمكين جوارح أجسام المكلفين لأداء فرائضه ، مع ما بسط لهم في دنياهم من الرزق ، وغذاهم من نعيم العيش من غير استحقاق منهم ذلك عليه ، ومع ما نبههم عليه ودعاهم إليه من الأسباب المؤدية إلى دوام الخلود في دار المقام في النعيم المقيم ، فلربنا الحمد على ذلك كله أولا وآخرا . وقال ابن جرير رحمه اللّه : ( الحمد للّه ) ثناء أثنى به على نفسه وفي ضمنه أمر عباده أن يثنوا عليه فكأنه قال : قولوا الحمد للّه . قال : وقد قيل إن قول القائل : الحمد للّه ثناء عليه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى ، وقوله ( الشكر للّه ) ثناء عليه بنعمه وأياديه . ثم شرع في رد ذلك بما حاصله أن جميع أهل المعرفة بلسان العرب يوقعون كلا من الحمد والشكر مكان الآخر . وقد نقل السلمي هذا المذهب أنهما سواء عن جعفر الصادق وابن عطاء من الصوفية ، وقال ابن عباس ( الحمد للّه ) كلمة كل شاكر ، وقد استدل القرطبي لابن جرير بصحة قول القائل الحمد للّه شكرا « 2 » . وهذا الذي ادعاه ابن جرير فيه نظر ، لأنه اشتهر عند كثير من العلماء من المتأخرين أن الحمد هو الثناء بالقول على المحمود بصفاته اللازمة والمتعدية ، والشكر لا يكون إلا على المتعدية ويكون بالجنان واللسان والأركان كما قال الشاعر : [ الطويل ] أفادتكم النعماء مني ثلاثة : * يدي ولساني والضمير المحجبا ولكنهم اختلفوا أيهما أعمّ الحمد أو الشكر على قولين ، والتحقيق أن بينهما عموما وخصوصا فالحمد أعم من الشكر من حيث ما يقعان عليه لأنه يكون على الصفات اللازمة

--> ( 1 ) الطبري 1 / 89 . ( 2 ) هذا وهم من ابن كثير ، إذ إن القرطبي عارض رأي الطبري بقوله : « ذهب أبو جعفر الطبري وأبو العباس المبرد إلى أن الحمد والشكر بمعنى واحد سواء ، وليست بمرضى » ثم قال : « الصحيح أن الحمد ثناء على الممدوح بصفاته من غير سبق إحسان ، والشكر ثناء على المشكور بما أولى من الإحسان . وعلى هذا الحد قال علماؤنا : الحمد أعمّ من الشكر » ( تفسير القرطبي 1 / 133 - 134 ) . وعقّب محمود محمد شاكر على من ناقضوا رأي الطبري بقوله : والذي قاله الطبري أقوى حجّة وأعرق عربية من الذين ناقضوه . ( تفسير الطبري ، 1 / 138 ، حاشية ( 2 ) ، طبعة دار المعارف بمصر )